ابن كثير

301

البداية والنهاية

أحدكم فيجيب ولا يلتفت ، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم ، إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم ، وإنما يصبر على هذا الحق من عرف فضله وعاقبته . وقال : لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همته . وقال ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس : حدثنا عبد الله ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، حدثنا عبد الله ابن المبارك ، عن معمر ، عن يحيى بن المختار عن الحسن قال : المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شق الحساب يوم القيامة على أقوام أخذوا هذا الامر من غير محاسبة ، إن المؤمن يفجأه الشئ ويعجبه فيقول : والله إنك لمن حاجتي وإني لأشتهيك ، ولكن والله ما من صلة إليك ، هيهات حيل بيني وبينك ، ويفرط منه الشئ فيرجع إلى نفسه فيقول : ما أردت إلى هذا أبدا إن شاء الله : إن المؤمنين قوم قد أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم ، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته ، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل ، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه ، وفي جوارحه كلها . وقال : الرضا صعب شديد ، وإنما معول المؤمن الصبر . وقال : ابن آدم عن نفسك فكايس ، فإنك إن دخلت النار لم تجبر بعدها أبدا . وقال ابن أبي الدنيا : أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال : سمعت حماد بن زيد يذكر عن الحسن قال : المؤمن في الدنيا كالغريب لا ينافس في غيرها ولا يجزع من ذلها ، للناس حال وله حال ، الناس منه راحة ، ونفسه منه في شغل . وقال : لولا البلاء ما كان في أيام قلائل ما يهلك المرء نفسه . وقال : أدركت صدر هذه الأمة وخيارها وطال عمري فيهم ، فوالله إنهم كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم ، أدركتهم عاملين بكتاب ربهم ، متبعين سنة نبيهم ، ما طوى أحدهم ثوبا ، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا ، ولا أمر أهله بصنع طعام ، كان أحدهم يدخل منزله فإن قرب إليه شئ أكل وإلا سكت فلا يتكلم في ذلك . وقال : إن المنافق إذا صلى صلى رياء أو حياء من الناس أو خوفا ، وإذا صلى صلى فقرأهم الدنيا ، وإن فاتته الصلاة لم يندم عليها ولم يحزنه فواتها . وقال الحسن فيما رواه عنه صاحب كتاب النكت : من جعل الحمد لله على النعم حصنا وحابسا وجعل أداء الزكاة على المال سياجا وحارسا ، وجعل العلم له دليلا وسائسا ، أمن العطب ، وبلغ أعلى الرتب . ومن كان للمال قانصا ، وله عن الحقوق حابسا ، وشغله وألهاه عن طاعة الله كان لنفسه ظالما ولقلبه بما جنت يداه كالما ، وسلطه الله على ماله سالبا وخالسا ، ولم يأمل العطب في سائر وجوه الطلب وقيل : إن هذا لغيره ، والله أعلم . وقال الحسن : أربع من كن فيه ألقى الله عليه محبته . ونشر عليه رحمته : من رق لوالديه ، ورق لمملوكه ، وكفل اليتيم ، وأعان الضعيف . وسئل الحسن عن النفاق فقال : هو اختلاف السر والعلانية والمدخل والمخرج ، وقال : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق - يعني النفاق - وحلف